ابن عربي
90
الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )
والأمم الخالية ، والجبابرة الطاغية ، والفضلاء ، والحكماء ، والأدباء ، والعقلاء ، والأولياء ، والأنبياء فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ ( 8 ) [ الحاقة : 8 ] . وأنت أيها الملك على قاعدة مذهبهم ، وعن قريب تلحق بهم ، فإمّا إلى النعيم في دار الخلود بجوار الصمد ، وإمّا إلى عذاب الأبد . فاجهد في تحصيل أدوات النجاة ، والبقاء فإن الدنيا متاع ، والآخرة خير لمن اتقى . فصل [ ومن ذلك : ثم قال الحكيم : . . . ] ومن ذلك : ثم قال الحكيم : فأدر سماواتك ، واستنزل روحانياتك ، عسى ينجلي عنك غمامها ، ويبدو لك بدر تمامها . فإن الحقائق الروحانية والرقائق السماوية تتأذّى ( مما تتأذى ) به الإنسانية ، فالحذر الحذر من صفقة القدر ، واطلب الشيء من معدنه ، ودبره في موطنه ، فإنه من تولد من الحقائق الطيبة الممزوجة بالأثقال ، لا بد لمن أراد أن يكمل ذاته من مباشرة الأزبال . فإنه عنها تتكون وبها يتحقق وجوده ، ولا يغرنّك التحاق الأسافل بالأعالي ، والتحام الأباعد بالأداني . فإن للمعادن مواطنا ، ولكل ساكن مسكنا ، فمن حال بينها وبين معادنها ، ودبرها في غير موطنها ، تسقط في يديه ، ودار وباله عليه ، وكانت صفقته خاسرة وتجارته بايرة . فإن كنت إلى تدبير هذه الصنعة ، وإيجاد هذه الحكمة بالأشواق ، فانزل عن هذه الطباق ، وسل عن الجبل المعروف فتجد مطلوبك وإني أودعك إياه ، وأنزلك في محيّاه وأعرفك بمعنّاه ، وأتحفك بسره ومعناه ، وأفرق لك حكمته في مماته وحكمته في محياه ، فانهض معي بلا حول ولا قوة إلّا باللّه . فرحل بي إلى خط الاستواء . فإذا بالجبل المذكور يعانق عنان السماء . فنزل إليه شخص من سراة الأرواح في نسيم الأرواح ، لطيف الإشارة ، فصيح العبارة . فقال : مرحبا ، وأهلا وسهلا . فقال الشيخ : هذا الغلام قد أنزلته عليك ، وسلمته إليك ، له همّة في طلب الحكمة ، وتشوق إلى معدن الرحمة ، فسلمني إليه ووقف ، وقبلني الآخر ولم يتوقف ، وسرّى معه وانصرف ، إلى أن أدخلني على الملك فقبلت يمنى بساطه ، وانبسط فسررت بانبساطه فعرف مقصدي فأخذ بيدي ، وأشار إلى بعض رعيته . وقال : سر به في ملكي ثم مكّنه من حاجاته .